بقلم الحاج آس سي، الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر

تم النشر: 1 يونيو 2016 16:09 CET

بقلم الحاج آس سي، الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر 

700 شخص قُتلوا في حادث سقوط طائرة. 700 شخص قتلوا في الهجوم الإرهابي. المئات قتلوا تحت أنقاض مبنى منهار.

كلما طرأت حادثة من هذه الحوادث، تتوقف ساعة العالم، قد تتوقف لسويعات وقد تتوقف لأيام. يسيل الحبر بعشرات آلاف الكلمات المنشورة، وتبث القنوات مئات الساعات من التحاليل والتساؤل والتأمل. وفي نقل هذه الحوادث، تخرج عناوين الصحف عن المألوف من التعليق على الأحداث اليومية لتحرك مشاعرنا وتُلهمنا.

أذكر أنني قرأت في اليوم التالي لهجمات الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك هذا العنوان الرئيسي في صحيفة "لوموند Le Monde”:Nous sommes tous Américains” - "كلنا أمريكيون". ولخص هذا العنوان مرارة الألم والأسى الذي شعرنا به جميعا، وسلط الضوء على أفضل ما فينا، على إنسانيتنا المشتركة.

وفي الأسبوع الماضي، قد يكون أكثر من 700 شخص لقوا حتفهم غرقا على مقربة من سواحل جنوب إيطاليا، وبالكاد حرك ذلك ساكنا في الرأي العام. لقد غرقت ثلاثة قوارب منفصلة في عرض البحر، لعلها كانت مكتظة بالراكبين بما يهدد حياتهم، والمؤكد أنها كانت تفتقر لمعدات السلامة. وراح ضحية هذه الحادثة مئات الأرواح في غياهب الخوف والهلع.

ما لنا إذن لا نرى عناوين الصحف تجزع والتحاليل تتتالى وتتوالى لساعات، بل لأيام؟ لقد مات أكثر من 700 شخص قاب قوسين أو أدنى من السواحل الأوروبية، ولكن ذلك بالكاد ترك أثرا في ضميرنا العام.

وشهدنا السنة الماضية مآسي مماثلة أثارت ضجة واستنكارا في صفوف البعض، ولكن حتى في ذلك الوقت، لاحظنا لامبالاة رهيبة إزاء المحنة التي يمر بها الباحثون عن الأمل والكرامة والأمان. ودعا الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر إلى وضع حد لهذه اللامبالاة، وذكّر الرأي العام بأن للأشخاص الذين يلجؤون إلى الهجرة حقوقا، ومن حقهم علينا أن نعاملهم باحترام وعناية.

ولكن ما انفكت اللامبالاة تتعمق وتترسخ مع كل مأساة جديدة في عرض البحر.

لا مجال لأن نقبل بذلك. ومع حلول الطقس الدافئ وتخييم الهدوء على البحر الأبيض المتوسط، نتوقع أن يتزايد من جديد عدد الأشخاص الذين يسعون للجوء إلى أوروبا. وكما كان متوقعا، دفعت جهود غلق ممرات العبور المعهودة بالمهاجرين إلى البحث عن ممرات جديدة. وعاد التركيز بشدة على ممر العبور الرئيسي بين ليبيا وإيطاليا.

يجب أن نجد حلا فعليا. ولا يمكن التوصل إلى هذا الحل إلا بالانكباب على العوامل التي تدفع بالناس إلى اتخاذ هذا القرار الصعب بمغادرة ديارهم. إذ لا يمكن أن يُتخذ هكذا قرار لأسباب واهية. بل هو قرار اتخذه هؤلاء الأشخاص لأن موطنهم ما عاد ملاذهم الآمن، أو لأن الأمل فيه قد تلاشى.

ومادامت نيران الحرب في سوريا لم تخمد بعد، والنزاع مستمر في العراق وأفغانستان، والفقر والاضطهاد يستشريان في بقية أنحاء العالم، سيواصل ساكنو هذه البلدان رحلة بحثهم عن حياة أفضل وأكثر أمنا. ولن يتغير الوضع الحالي إلا بتغيير جذوره. وإن لم يتمكن المهاجرون من الوصول إلى أوروبا، فإنهم إما سيذهبون إلى وجهات أخرى أو سيبقون في بلدان مثل تركيا والأردن ولبنان، وهي بلدان قد برهنت على تضامنها وحسن ضيافتها على امتداد السنوات الخمس الماضية. وقد يجد المهاجرون أنفسهم في أماكن يتعذر تلبية احتياجاتهم الأساسية فيها وحماية حقوقهم.

ومن هنا نجدد نداءنا، بل مناشدتنا، لجميع الحكومات والمؤسسات لكي تضمن حماية المهاجرين، ودعوتنا لجميع الأشخاص إلى أن يعوا حقهم في السلامة والكرامة. ونوجه نداءنا لوسائل الإعلام وغيرها من المنابر بأن تعيد طرح النقاش حول الهجرة، وبأن تولي الاهتمام اللازم لهذه المأساة الإنسانية.

وندعو السلطات إلى جعل عبور المهاجرين أكثر أمانًا عن طريق توسيع نطاق القنوات القانونية وعمليات البحث والإنقاذ في البحر المتوسط، وإرساء أنظمة تضمن تسريع إجراءات اللجوء وإنصافها لدى وصولهم. وندعو شركاءنا على امتداد الممرات الرئيسية للهجرة إلى معالجة مواطن الضعف التي تتسم بها الهجرة غير النظامية، والتوعية بالحقوق التي يتمتع بها جميع المهاجرين. وندعو السلطات الأوروبية ومنطقة البحر الأبيض المتوسط إلى العمل مع الأطراف المحلية الموجودة في نقاط الانطلاق، بما فيها الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، لدعم الأشخاص الراغبين في الاندماج مجددا في مواطنهم الأصلية.

ومن جهتنا، سنواصل بذل أقصى جهودنا لدعم كل من يحتاج إلى يد العون. وسنقدم الإسعافات الأولية للأشخاص الذين أقلّتهم القوارب أو الذين أوصلتهم أمواج البحر إلى السواحل. سنقدم لهم الرعاية والدعم والعلاج ضامنين احترامهم وصون كرامتهم. وسنرافقهم في رحلة هجرتهم، بدءا من لحظة اتخاذ قرار المغادرة وصولا إلى ما نأمل أن يكون ملاذا آمنا يعمّه السلام.

وسنعمل مع جميع الشركاء في كل مكان يمكن أن نلبي فيه احتياجات الناس. وسيدأب عشرات الآلاف من متطوعي الحركة على تجسيد رمز الأمل والتصدي لهذه اللامبالاة المستشرية.

سنرثي جميع الأرواح البشرية التي زُهقت، وذلك أضعف الإيمان.

كلنا سوريون. كلنا أفغانيون. كلنا صوماليون وباكستانيون ونيجيريون. كلنا مهاجرون.

Nous sommes tous Syriens. Nous sommes tous Afghans. Nous sommes tous Somaliens, Pakistanais, Nigérians. Nous sommes tous des migrants.




خريطة