من لندن في العصر الفيكتوري إلى المبادرة العالمية للمياه والصرف الصحي

تم النشر: 7 مايو 2013 22:21 CET

 

اسأل أي متخصص في الصحة العامة عن مثله الأعلى وفي الأغلب سيخبرك عن الدكتور جون سنو وأعماله. في عام 1854 قام الدكتور سنو بعمل مبتكر غير للأبد طريقة رؤيتنا للعالم. فعلى خريطة لحي سوهو في لندن، والذي كان في ذلك الحين مرتعا لفاشية كوليرا، علّم على أماكن سكن مرضى الكوليرا وبيّن الصلة الأكيدة بين مرضهم ومصدر المياه التي يشربونها: طلمبة المياه في شارع "برودستريت". وبعد أن صدته السلطات المحلية، قام الدكتور سنو بنفسه بإزالة ذراع الطلمبة. ومع توضيح علاقة السبب والنتيجة بين المياه الملوثة والكوليرا بصورة أكيدة، اختفت الكوليرا من لندن ولم تعد.

قصة عظيمة، ولكن للأسف كلها تقريبا مغايرة للحقيقة.

ما حدث هو أن خريطة الدكتور سنو وُضعت في أعقاب الفاشية. ومن خلال القرائن، مثل العمال الذين كانوا يعملوا في مصنع للبيرة في موقع مجاور ولم يصابوا بالكوليرا، استطاع إقناع المجلس المحلي بإزالة ذراع الطلمبة. إلا أنه من الثابت تقريبا أنهم تحركوا بعد وصول الفاشية إلى ذروتها بوقت طويل، وتم فيما بعد إعادة تركيب الذراع. ولم يتم التوصل إلى إجماع علمي مباشرة في أعقاب عمل الدكتور سنو، وكان على لندن أن تشهد المزيد من فاشيات الكوليرا في السنوات اللاحقة.

قد يكون الدكتور سنو وضع "علم الأوبئة" ولكنه لم يخلّص لندن من الكوليرا. إلا أن شيئا هاما كان يحدث في لندن في 1863. كانت الرائحة العفنة الرهيبة الناتجة عن نهر التيمز قد دفعت الحكومة أخيرا إلى تخصيص أموال لبناء نظام للصرف الصحي وأولت مهمة الإشراف على أعمال البناء لجوزيف بازلغيت، كبير مهندسي مجلس الأشغال العامة في لندن.

إن إنشاء نظام الصرف الصحي قد أدى أكثر من أي عامل آخر إلى دحر الكوليرا، وارتفاع الأجل المتوقع، وتحسين نوعية الحياة في لندن بصورة كبيرة جدا. وقد استغرقت أعمال التشييد عقودا وأدت إلى تعطيلات كبيرة في وسط لندن وتكلفت ما يوازي اليوم المليارات بالجنيه الاسترليني.

قد نضحك اليوم على من كانوا يعتقدون في عام 1863 أن الكوليرا تنتقل من خلال الأبخرة النتنة، ولكن لنا أن نتساءل عم إذا كنا قد تعلمنا أي شيء من هذه القصة. فيبدو أن الصرف الصحي لم يعد من بين الأولويات. وعدد الذين يفتقرون إلى مراحيض في العالم أكبر ممن يفتقرون إلى هاتف محمول. والمشكلة لا تقتصر على أفقر المدن. فمثلا نجد أن دبي والتي تضم أعلى مبنى في العالم فإنها تفتقر إلى البنية التحتية للصرف الصحي لخدمة برج خليفة، ويتجمع في كل يوم أسطول من الشاحنات لنقل الفضلات البشرية لقاطنيه، أي نسخة حديثة من جيوش "رجال جمع الفضلات البشرية" الذين كانوا يقوموا بالمهمة ذاتها في لندن في العصر الفيكتوري. إن عمل جوزيف بازلغيت لم ينتهِ.

ومنذ عام 2005 نجحت حركة الصليب الأحمر والهلال الأحمر في تمكين أكثر من مليون شخص في عشرات البلدان من تحسين الصرف الصحي في مجتمعاتهم المحلية من خلال جهود ترويج النظافة الصحية وإنشاء بنية تحتية في البيوت والمدارس. ونتمنى الوصول إلى الملايين غيرهم بحلول عام 2015 في إطار مبادرة الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر "المبادرة العالمية للمياه والصرف الصحي" والتي تمتد لعشر سنوات (2005-2015). ونحن الآن نضع على أنفسنا التزاما بالاستمرار فيما بعد عام 2015 وإلى حين، نتمنى أن يكون قريبا، يتمتع فيه الناس جميعا بصرف النظر عن مكان الإقامة أوالعرق أو الثروة أو الجنس بحقهم الإنساني في مياه نظيفة والأساسيات الضرورية للصرف الصحي ونظافة صحية أفضل.

ليس هناك طرق مختصرة في هذا المجال. العالم الحديث يحتاج إلى الصرف الصحي، والصرف الصحي يحتاج إلى الوقت والجهد والموارد. فإذا أردنا الصحة والكرامة اللتين يوفرهما الصرف الصحي، علينا أن ندفع ثمنهما.

 

 


خريطة