الإسعافات الأولية: تراث من إنقاذ الحياة للجميع

تم النشر: 7 مايو 2013 22:48 CET

أول عملية إنعاش ناجحة سجلت قديما في العام 896 قبل الميلاد. وتم وصف طريقة التنفس من الفم إلى الفم في الكتابة الهيروغليفية للمايا. دعونا نمضي إلى المستقبل سريعا إلى 150 عاما مضت لنجد أنفسنا في خضم معركة في شمال إيطاليا خرجت من بينها شرارة فكرة غيرت العالم منذ ذلك الحين.

في 24 حزيران/يونيو 1859، كان هنري دونان، وهو رجل أعمال شاب من مدينة جنيف، شاهدا على معاناة وبؤس فظيعين في أعقاب معركة سولفرينو. فقام بتنظيم أهالي القرية لتقديم العلاج والرعاية لجميع المصابين بغض النظر عن الجانب الذي ينتمون إليه.

ما فعله هنري دونان في سولفرينو كان مصدر الإلهام لفكرة قيام منظمات إغاثة تطوعية وطنية تساعد في رعاية الجنود الجرحى في المعارك، وبعد أربعة أعوام تشكلت بالفعل منظمة نمت وأصبحت أكبر شبكة إنسانية تطوعية في العالم: الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر.

وأصبحت الإسعافات الأولية إحدى الخدمات الأساسية التي يقدمها المتطوعون والموظفون في الصليب الأحمر والهلال الأحمر لمن يحتاجها في جميع أنحاء العالم، وهو ما يساعد على إنقاذ أرواح الملايين من البشر. إن الحاجة إلى المساعدات الإنسانية لا تزال تحظى بأهمية حيوية مثلما كان الحال في 1859، ولا تقتصر على ميادين الحروب.

ووفقا لستيفان سيباتشر، رئيس الإدارة الصحية في الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر فإن الملايين من البشر يصابون أو يموتون كل عام نتيجة للقصور في الاستجابة أو غياب المساعدة في الوقت المناسب.

إن اتخاذ الإجراء المناسب وتطبيق أساليب الإسعاف الملائمة، في انتظار وصول المساعدة من جانب المتخصصين المحترفين، يمكن أن يقلل بنسبة كبيرة من الوفيات والإصابات، ويقلل من أثرها في الكوارث وفي حالات الطوارئ في الحياة اليومية.

وفي هذا الصدد يقول باسكال كاسان، مدير المركز المرجعي العالمي للإسعافات الأولية التابع للاتحاد الدولي إنه "بالرغم من الفوائد الجلية لتعلم الإسعافات الأولية، هناك العديد من الأسباب التي تجعل الناس لا يتحركون في حالات الطوارئ، ومنها الخوف من المسؤولية، وعدم معرفة الطريقة السليمة للتصرف أو ما يسمى "متلازمة المتفرج" وهي افتراض أن شخصا آخر يعرف ما الذي يجب عمله."

وفي بريطانيا، تم تصميم حملة موجهة إلى صغار السن من 11 إلى 16 عاما تهدف إلى بناء ثقتهم في أنفسهم وقدرتهم على التصرف. وفي بيليز، يتلقى تلاميذ المدارس الابتدائية التدريب على أساسيات الإسعافات الأولية والإنعاش القلبي الرئوي وما يجب أن يقوموا به في حالة تعرض أحد للاختناق. والاختناق ربما كان الحالة الطارئة التي تفرق فيها الثواني فعلا. فمع سد المجرى الهوائي، يمكن أن يقع تلف في المخ بعد 90 ثانية فقط، ولكن للعجب لا يعرف إلا القليل من الناس ما يجب فعله في هذه الحالة، ويتعرض الأطفال الصغار للخطر بصور خاصة.

ويقول باسكال كاسان إن "الحكومات يمكنها أن تتبع نهجا أكثر دينامية من خلال نشر التدريب والتعليم الإلزاميين للإسعافات الأولية. إن سياسات مثل جعل تعلم الإسعافات الأولية إلزاميا في أماكن العمل والمدارس أو ضروريا لاستخراج رخصة القيادة يمكنها أن تساعد على إحداث فارق إيجابي، ولكن هناك ضرورة لعمل المزيد من أجل الوصول إلى المجموعات السكانية الضعيفة."

هناك سبب آخر لعدم تعلم الناس للإسعافات الأولية وهو عدم توافر الموارد الكافية. فالكثير من الناس، ولاسيما الذين يعيشون في مناطق تمزقها الحروب أو نكبتها الكوارث، لا تسنح لهم فرصة التدرب على أساسيات الإسعافات الأولية إلا فيما ندر.

ويضيف باسكال كاسان أن "ثمة افتقار للوعي بالإسعافات الأولية في العديد من المجتمعات المحلية الضعيفة، حيث يمكن لفكرة بسيطة جدا عن كيفية معالجة إصابة، أو الإبقاء على حياة شخص في أسوأ الأحوال، أن تحدث أثرا عظيما."

إن الإصابات والمشكلات التي يمكن للقائم بالإسعافات الأولية أن يقابلها لم تتغير كثير في 150 عاما، ولكن الطرق والوسائل التي يمكن استخدامها لإنقاذ الحياة قد تغيرت بالفعل مما يجعل التدريب المنتظم لاستيفاء المعلومات ضرورة حيوية.

في أعقاب الكوارث، يكون في العادة المتطوعون المدربون على الإسعافات الأولية من صفوف المجتمع المحلي من بين أول القائمين بعملية المواجهة. يكونون في الميدان، مستعدين لمساعدة المحتاجين. هذا يخلق مجتمعات محلية أقوى تستطيع أن تتصرف على الفور.

وهنا تتخطى الإسعافات الأولية كونها مجرد مهارة تكتسب، فهي ترتبط ببناء قدرة المجتمع المحلي على الصمود في مواجهة الكوارث على المدى الطويل مع احتضان القيم الإنسانية.

 


خريطة