التقرير الشفهي للأمين العام المقدم إلى الهيئة العامة

تم النشر: 12 نوفمبر 2013

السيد الرئيس، أعضاء مجلس الإدارة الأفاضل، السادة أعضاء الوفود إلى الهيئة العامة، حضرات الموظفين والمتطوعين الأعزاء،

يسعدني جداً ويشرفني أن أكون بينكم اليوم لأقدم لكم التقرير الشفهي النهائي الذي أعرضه على هذا الجمع الكريم.

لقد تسلمتم تقريري المكتوب الذي يعرض بالتفصيل التقدم المحرز في تنفيذ البرامج، وبناء القدرات، والدبلوماسية الإنسانية وخدمات الدعم.

لقد تقاسمنا أيضاً تقارير أخرى هامة من بينها إطار تنمية الجمعيات الوطنية وعمليات الاستعراض الاستشارية عن تطبيق اللامركزية والمأوى وغير ذلك من الأمور، حيث طلبنا منكم تقديم آرائكم وتعليقاتكم بشأنها. وتؤكد الإدارة العليا على استعدادها للرد على اسئلتكم وتحويل تمنياتكم وقراراتكم نحو التنفيذ في مراحل لاحقة.

واستناداً إلى المعلومات التي تتضمنها التقارير المقدمة، أود الآن انتهاز هذه الفرصة للنظر في ما حققناه معاً من إنجازات، وفي التحديات التي يواجهها الاتحاد اليوم والتحديات التي سيواجهها مستقبلاً، واطلاعكم على ما أفكر به شخصياً بناء على تجربتي كأمين عام منذ خمس سنوات ونصف السنة.

وسوف أعلّق اليوم على الرحلة التي أمضيناها معاً وأعرضها في ثلاثة أجزاء رئيسية أراها ذات أهمية.

أولاً: ما أسميه أعمال الاتحاد – أي مجالات عملنا المعروفة جيداً والمجالات التي يُحتمل ظهورها. ويشمل ذلك الخدمات التي نقدمها إلى الأشخاص المستضعفين، وعملنا الجماعي في بناء قدرات كل الجمعيات الوطنية، ودورنا في القيادة والمناصرة، والأعمال الخاصة بإدارة التغيير الداخلي – ونقوم بها لتهيئة المنظمة على التجاوب مع البيئة المتغيرة التي نعمل داخلها.

ثانياً: تحديد موقع المنظمة على الصعيد العالمي بالنسبة إلى شركائنا، والتنسيق مع السلطات العامة والشركاء الخارجيين، وداخل الحركة الدولية ومع هياكل الحكم الخاصة بنا، وطبيعة التنافس داخل الحركة، وكيف يجب أن نعيد تحديد موقعنا من أجل تعزيز التعاون ونطاق الخدمات وقدرة التأثير.

ثالثاً: فهم الاتجاهات العالمية، والاستجابة للأشكال المتغيرة لحالات الضعف والعوز. ما هي التصورات الممكنة لمستقبل منظمتنا، وما هي الدروس المستفادة من تجربتي كأمين عام والتي ينبغي تقاسمها معكم.

السيد الرئيس، حضرات السيدات والسادة

اسمحوا لي أن أبدا بوقائع آمل أن يستمتع جميعكم بالاطلاع عليها.

قبل أربع سنوات، صدقّت الهيئة العامة على الاستراتيجية حتى عام 2020. وكانت تشمل هذه الاستراتيجية مجموعة أدوات لبناء القدرات سعياً إلى تنمية الجمعيات الوطنية. وكانت إحدى الأدوات المتاحة هي قاعدة البيانات ونظام الإفادة في الاتحاد الدولي، التي شجعت الجمعيات الوطنية على توفير البيانات وفقاً لسبعة مؤشرات.

وخلال السنوات الأربع الماضية، ازداد عدد الجمعيات الوطنية المشاركة وتدل الأرقام اليوم إلى أن 178 جمعية وطنية ساهمت في إدخال معلومات في قاعدة البيانات. وقدمت الجمعيات الوطنية 138 خطة استراتيجية، و132 بيانا مالياً من بينها 69 بياناً جرت مراجعتها من جانب مدققين خارجيين، و130 تقريراً سنوياً.

إنني أود التوجه بالشكر لكم جميعاً، لأن لدينا اليوم، لأول مرة في تاريخ الاتحاد، صورة واضحة للإنجازات التي حققناها في مختلف أنحاء العالم. واسمحوا لي أن أقدمها لكم.

لدينا، في شبكة الاتحاد الدولي العالمية، أكثر من 415.000 موظف يتلقون أجراً. وتملك جمعياتنا الوطنية أكثر من 160.000 فرع ووحدة محلية.

ولكوننا منظمة تعتمد على عمل المتطوعين، فقد صرحنا عام 2010 أن لدى الاتحاد الدولي 13.1 مليون متطوع. ونعلم الآن أن هناك بالفعل حوالي 15.5 مليون متطوع من الصليب الأحمر والهلال الأحمر يعملون على إنقاذ الأرواح وتغيير حياة الناس.

ترى، كم يبلغ عدد الذين يتمكّن هؤلاء المتطوعون الشجعان والمخلصون من مساعدتهم كل سنة، فلنقل في العام 2012 على سبيل المثال؟

  • برامج مواجهة الكوارث والانتعاش المبكر في كل أنحاء العالم: بلغ أكثر من 77 مليون شخص.
  • برامج التنمية طويلة الأمد: بلغ أكثر من 77.2 مليون شخص.
  • وهكذا، فهناك أكثر من 154 مليون شخص حصلوا على المساعدة في العام 2012 وحده، يستفيد نصفهم من عملنا الإنمائي. وهو ما يعد دليلاً إحصائياً على أننا منظمة إنمائية هامة.
  • وبالإضافة إلى ذلك، تُظهر البيانات الصادرة عن إحصاءات الجمعيات الوطنية أن إمكانية الإفادة من برامج الصليب الأحمر والهلال الأحمر الخاصة بالتأهب للكوارث والحد من المخاطر متاحة لأكثر من 115.4 مليون شخص. وقام 33.9 مليون شخص بالتبرع بالدم في أقسام الدم التابعة للجمعيات الوطنية في مختلف انحاء العالم.

وبلغ إجمالي دخل الشبكة العالمية أكثر من 31.4 مليار فرنك سويسري خلال العام 2012 وحده، بينما كان مجموع النفقات أكثر بقليل من 31.1 مليار فرنك سويسري. وهذا يعني بالنسبة لي أن الجمعيات الوطنية تقدم خدمات رائعة جداً إلى الناس في بلدانها.

السيد الرئيس، حضرات السيدات والسادة

إن هذه الإحصاءات هي دليل دامغ يبيّن اتساع نطاق شبكة الاتحاد الدولي وأهميتها في عالمنا المتغير. ونستطيع بهذا الدليل – فردياً وجماعياً – أن نفتح أبواب نفوذ جديدة ونكشف إمكانات جديدة لتدفق الموارد من أجل رفع برامجنا وأنشطتنا إلى مستوى يعكس بشكل أفضل تجربتنا وحجمنا والإمكانات الهائلة للأعمال التي ننفذها.

لقد تولينا، على مدى الخمس سنوات ونصف السنة الماضية، تنفيذ عمليات فعالة في مواجهة الكوارث والأزمات. وأوصلنا إلى مسامع الناس معلومات عن الكوارث الصامتة والمنسية في العالم، وكنا في الريادة لدى الاستجابة للحاجات الفورية للمتضررين من الكوارث الكبرى في عصرنا. وكنا في كل الأماكن قدوة يحتذى بها باعتبارنا المدافعين عن العمل الإنساني الحريص على احترام المبادئ.  

إننا نقود العمل الإنساني في استخدامنا المبتكر للأموال النقدية في حالات الطوارئ والتواصل مع المستفيدين، حيث نقوم بوضع معايير حديدة لتمكين الأشخاص المتضررين من الحصول على المعلومات واختيار الطريقة التي يريدون فيها استعمال الأموال ومواد الإغاثة التي نستطيع جمعها لصالحهم.

ولكن بالرغم من الإنجازات التي حققناها، علينا بذل الكثير من الجهد للتصدي للفجوات في الاستجابة العالمية إزاء الكوارث، والإفادة من كل إمكانات الاستجابة التي توفرها شبكاتنا. ونجد أنفسنا مقيّدين أكثر فأكثر بسبب عدم توفر التمويل، والتوزيع غير المنصف للأموال المتاحة، وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية.

هناك علاقة قوة غير متكافئة بين المانحين والمستفيدين غالباً ما تنعكس في العلاقات بين الجمعيات الوطنية التي تقدم المساعدة والجمعيات الوطنية التي تتلقى المساعدة، وبين الجمعيات الوطنية وأمانتها.

أما تنامي الاستجابة الثنائية في حالات الطوارئ داخل الاتحاد الدولي فيشكل ضغطاً إضافياً على عملية التنسيق تتحمّله الجمعيات الوطنية المتأثرة بالكارثة، ويؤدي إلى تقويض مهمة الاتحاد الدولي في الاستجابة متعددة الأطراف. وتشعر الكثير من الجمعيات الوطنية أنها عاجزة عن رفض عروض الدعم الثنائية أو هي تتردد في ذلك بالرغم من أوجه القصور الواضحة.

إننا نسعى جماعياً إلى معالجة هذا الخلل من خلال ترسيخ مبادئ وقواعد أكثر قوة للمساعدة الإنسانية داخل الاتحاد، والتفاوض، خلال السنوات القادمة، لإبرام اتفاقات أكثر صرامة للتنسيق والتعاون داخل الحركة.

وبينما يتعيّن علينا بذل المزيد من الجهد لتعزيز الامتثال لمبادئنا وقواعدنا، لا نزال نفتقر إلى نظام قوي يهدف إلى تطبيق المسؤولية الجماعية والمساءلة في اتخاذ القرارات لمواجهة الكوارث.

وتقدم عملية زلزال هايتي مثالاً جيداً لسعينا إلى إنشاء منبر متكامل لصنع القرار ومنسق تنسيقاً جيداً، ضّم الأمناء العامين للجمعيات الوطنية المشاركة وهيئة إشراف من مجلس الإدارة – فريق اتصال رفيع المستوى- وأحرز عدداً من النجاحات التي يمكن قياسها. إلا أننا بحاجة إلى وضع آلية راسخة تحدد بوضوح ترابط الأدوار على كل المستويات إذا ما أردنا تحقيق قدر أكبر من المساءلة في اتخاذ القرارات أثناء عملية كبرى.

السيد الرئيس، حضرات السيدات والسادة

ثمة جانب آخر بالغ الأهمية من عملنا نجده في البرامج طويلة الأمد المعنية بمجالات مثل الحد من مخاطر الكوارث والتصدي لها، والأمن الغذائي، وحماية البيئة، والماء والإصحاح، والصحة الوقائية في الأمراض المعدية وغير المعدية ومن بينها الإيدز وفيروسه والملاريا ومرض السّل، كما نجده في البرامج الرامية إلى تعزيز نبذ العنف والعيش بسلام – وعموماً من خلال تغيير طرق العيش والمواقف والعقليات.

إن الجمعيات الوطنية تبذل جهوداً حثيثة لتحسين حياة ملايين الأشخاص المستضعفين كل سنة. وقد راكمنا خبرات هائلة في أداء مهامنا ونلعب دوراً مهماً – ولو لم يكن معترفاً به أحياناً- في المساهمة في التنمية.

وحققنا ذلك بواسطة الموارد البشرية التي أصبحت غير ملائمة على الإطلاق مقارنة بإمكاناتنا العالمية ونظراً إلى خبراتنا المتراكمة وقدرات المتطوعين والمجتمعات المحلية التي سعينا إلى بنائها على مرّ السنين.

ونجد مرة أخرى في مجال التمويل المخصص للتنمية والبرامج طويلة الأمد أن بعض الجمعيات الوطنية المانحة تنخرط في المقام الأول بشكل ثنائي بدون بذل الجهد الكافي لإشراك الجمعية الوطنية المضيفة بشكل كامل في صنع القرار. ويسيء ذلك إلى ديمومة أي تعاون ويمكن أن يترك الجمعية الوطنية المضيفة تواجه صعوبات في تقليص حجم العمل بعد استكمال المشروع.  

وإذا لم نجمع كل جهودنا سعياً إلى تعزيز الموقع الدولي للاتحاد بالدخول في شراكة مع الحكومات والشركات والمؤسسات على مختلف المستويات الوطنية منها والعالمية لدى تنفيذ البرامج طويلة الأمد أو البرامج الإنمائية، فسوف نفقد فرصة ثمينة لزيادة حصة الشبكة العالمية في مجال مواجهة أوجه الاستضعاف.

السيد الرئيس، حضرات السيدات والسادة

لقد شكّل بناء قدرات المؤسسة والقدرات المحلية دعامة أساسية لعمل الاتحاد الدولي خلال قرابة ثلاثة عقود وتحقّق تقدم كبير في هذا المجال. وتتمتع كل الجمعيات الوطنية تقريباً بوضع قانوني في بلدانها، وتملك قدرات كبيرة من جهة المتطوعين إن كان على مستوى أجهزة الحكم أو على مستوى تقديم الخدمات، ولديها أنظمة قوية في تقديم الخدمات والخضوع للمساءلة.

وينبغي بذلك أن نعترف بأن تنامي القدرات يؤدي إلى زيادة التصميم، ونرى الجمعيات الوطنية الناشئة ترغب بحق في الحصول مستقبلاً على مساعدة من شركائها على أساس التساوي، أي أنها تريد أن تقرر بنفسها ما هي المجالات التي تريد تنميتها وكيف يجب تنميتها.

وإقراراً منا بذلك، من الضروري أن تكون الإجراءات الخاصة بصنع القرار في الأمانة وفي الجمعيات الوطنية المانحة أكثر مراعاة لوجهات نظر الجمعية الوطنية المستفيدة بشأن كيفية استخدام الموارد لاسيما في نهاية عملية كبرى.

والأهم من كل ذلك، ينبغي أن تظهر كل الجمعيات الوطنية، باعتبارها جزءاً من شبكة عالمية تنتمي إلى نفس الاتحاد ونفس الحركة، كمؤسسات تمتثل لنفس مجموعة المعايير والقواعد. ويجب التخلص من التباينات الحالية وإبدالها بإرساء تعاون حقيقي يحترم كل الأطراف ويتيح تدفق المعرفة والحكمة والمهارات والخبرات في كل الاتجاهات.

إنني أعتقد أن التطبيق الشامل للأنظمة المذكورة في مجموعة بناء القدرات الواردة في الاستراتيجية حتى العام 2020 - تقييم القدرة التنظيمية وتصديقها، والتعلّم ومنح الشهادات، وقاعدة البيانات ونظام الإفادة في الاتحاد الدولي، وإطار المساءلة - من شأنه المساهمة في توليد الثقة المتبادلة وزيادة الاعتماد على الآخر.

السيد الرئيس، حضرات السيدات والسادة

كنت قد تعهدت في الهيئة العامة الماضية بطلب إجراء استعراض مستقل لتطبيق اللامركزية في الأمانة وتقديم الاستنتاجات إلى الهيئة القادمة. لقد انتهى الاستعراض واطلعناكم جميعاً على التقرير بكل شفافية في هذا الاجتماع. وتتلخص الاستنتاجات في أن نموذج اللامركزية صالح ولكنه يتطلب بعض التعديلات في الهياكل القائمة من أجل تحقيق المزيد من التحسّن بالنسبة إلى الملاءمة والتأثير وفعالية التكلفة.

ويبقى الشاغل الرئيسي للأمانة دورها كعامل للتغيير. إننا ندعم الجمعيات الوطنية لكي تنمو وتحقق التغييرات بنفسها. ويجب أن يقدم هذا الدعم قريباً من المكان الذي ستحدث فيه التغييرات بحيث تطبق اللامركزية في إدخال التعديلات اللازمة والمناسبة.

وأود الآن مناقشة تحديد موقعنا على الصعيد العالمي

يحدد دستور المنظمة الحكم العالمي للاتحاد الدولي. فهو منظمة تستند إلى العضوية ويتمتع كل عضو فيها بالسيادة وتُنفّذ قرارات مجلس الإدارة من خلال حسن نية الأعضاء والتزامهم.

وقد تختلف توقعات أعضاء مجلس الإدارة ودوافعهم وثقافة صنع القرار لديهم، الأمر الذي يمكن أن يحول دون توحّد القرارات والأعمال. وسوف تبقى شروط التمثيل الجغرافي مهمة بالنسبة إلى شبكتنا العالمية المتنوعة، إذ شكل ذلك نموذجاً فريدا من التمثيل والمشاركة ظل صالحاً لقرابة قرن من الزمن وساهم في جمع أفراد الشبكة وتوحيدهم في الغرض والأهداف وهو مختلف عن تنظيم الشركات وحتى عن أجهزة حكم الأمم المتحدة.

وتجدر الإشارة إلى أن الآمال المعقودة على مجلس الإدارة قد تكون كبيرة في هذا العالم المتغير. فطبيعة الضعف الذي يعانيه الناس وطريقة التصدي له يتغيران بسرعة.  وعلينا أن نحدد الاتجاهات في مفهومها العام ونتناول القضايا العالمية الكبرى فور بروزها من أجل رفع موقع شبكة الاتحاد الدولي إلى المستوى الكافي من الفعالية في المستقبل.

وقد يتطلب حكم الجمعيات الوطنية الأعضاء دعماً أوثق من جانب قيادة الاتحاد لمواجهة التحديات العالمية التي يمكن أن تؤثر في أوجه الضعف البارزة في مختلف بلدانها.

إن التأثير في قادة الرأي في العالم، وقيادات الحكومات والشركات يتطلب من أعضاء مجلس الإدارة قدراً كبيراً من الكفاءة المهنية والخبرة في الإدارة العليا. وهذا يعني أن نوعية أجهزة الحكم ترتدي أهمية كبيرة بالنسبة إلى نجاح الشبكة مستقبلاً. وينبغي لمجلس الإدارة القادم أن يأخذ ذلك في الاعتبار عندما سينظر في استنتاجات عملية استعراض الحكم الأخيرة ويعتمد التغييرات الهامة والمناسبة.

السيد الرئيس، حضرات السيدات والسادة

يجب أيضاً أن أشدد على الأهمية الدائمة للدور المساعد للجمعيات الوطنية، وكيف يمكن أن تستخدم ذلك لتصبح الشريك الأمثل لحكوماتها الوطنية. وتستتبع الشراكة التزامات على الحكومات – منح حرية الحركة وإمكانية الوصول إلى المحتاجين، وحرية اختيار ما يجب القيام به ومن ينبغي مساعدتهم، وتخصيص موارد كافية، والسماح للجمعية الوطنية بالمشاركة في عملية صنع القرار في ما يتعلق بالأنشطة الإنسانية والإنمائية.

علينا أن نستخدم جماعياً الدبلوماسية الإنسانية بصورة أكثر فعالية من أجل إعادة تحديد شكل علاقاتنا مع الحكومات، وخاصة في الحصول على حصة من الموارد المتدفقة. وسعياً إلى تحقيق ذلك، قام قادة من قطاع خدمات الحكم والإدارة بزيارات عديدة إلى الجمعيات الوطنية وانتهزوا هذه المناسبات لمناقشة تحسين العلاقات مع حكوماتها. وأتيح بذلك تحقيق قدر كبير من التوعية بهذه القضية وتحسّنت العلاقات فعلاً في عدد من البلدان. ولكن لا يزال هناك الكثير مما يتعين القيام به.

وتُبذل حالياً جهود مكثفة لبناء علاقات مع الحكومات، والمنظمات المتعددة الأطراف، والشركات التجارية، والمؤسسات التعليمية على الصعيدين الوطني والدولي وذلك بالتعاون الوثيق مع الجمعيات الوطنية المختلفة. ووقّعت الأمانة حتى الآن على عدة اتفاقات شراكة، وتجري المفاوضات لإبرام اتفاقات أخرى.

يؤدي اليوم التقدم المحرز في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى آثار إيجابية في مجال العمل الإنساني. ويتصدّر الاتحاد الدولي عدداً كبيراً من المبادرات الرائدة الرامية إلى "سد الفجوة الرقمية"، بتوفير إمكانية الحصول على المعلومات اللازمة لإنقاذ الأرواح وتحسين سرعة وفعالية التقييم والقدرات اللوجستية. وعلينا، من أجل جني فوائد التكنولوجيا، أن نقيم الشراكات مع قادة صناعيين ونضع تطبيقات مبتكرة للتكنولوجيا تكون أخلاقية وفعالة على حد سواء وترمي إلى حماية الأشخاص المستضعفين ومساندتهم، وإلى حماية عمل الجمعيات الوطنية والمتطوعين ودعمه.

السيد الرئيس، حضرات السيدات والسادة

هذا ما يقودني إلى موضوع العلاقات داخل الحركة

كما أشرت إليه سابقاً، اكتسبت الجمعيات الوطنية خبرة في نقاشها حول العلاقة مع الحكومات. وهي تعرف الناس وتعرف ثقافتهم ودوافعهم وطموحاتهم، وتتوقع بصورة متزايدة من الأمانة ومن الجمعيات الوطنية الشقيقة أن تدعمها وتمكنّها من القيادة والقيام بمهامها في بلدانها.

وبالرغم من التغييرات التي تحدث في العالم حولنا، يعتمد إلى حد كبير التنسيق الذي نتبعه في الاتحاد أو في الحركة على طرق تقليدية. وقد تم التصديق على مبادئ وقواعد الصليب الأحمر والهلال الأحمر للإغاثة في الكوارث آخر مرة عام 1995، ويمكن القول أنها أصبحت في معظمها متقادمة. وسوف تنظرون خلال هذه الهيئة العامة في اعتماد مبادئ وقواعد منقحة تهدف إلى تحقيق أقصى قدر ممكن من حشد الموارد والخبرات وتنسيقها على نطاق كل الاتحاد.  

وتكمن إحدى التغييرات الرئيسية في الوثيقة المنقحة في استناد صياغتها إلى منظور الجمعيات الوطنية مع مراعاة دور الجمعية الوطنية في بلدها والاعتراف بتزايد الشراكات التي تبرمها.

وحث هذا الحوار بشأن مراجعة المبادئ والقواعد والذي استغرق عامين اثنين، على إجراء عملية ذات صلة بالموضوع ولكنها أوسع نطاقاً بكثير من أجل تعزيز التنسيق والتعاون داخل الحركة. وسوف يتم إطلاقها أثناء اجتماع مجلس المندوبين في الأسبوع القادم. ويكمن وراء هذه العملية التزام بإجراء استعراض شامل لطريقة عملنا معاً من أجل تصميم إطار جديد للتنسيق في الحركة يستجيب للحاجات المتغيرة على الأرض.

وبالرغم من احتمال أن تكون بعض الحكومات قد أقرّت منذ وقت طويل باضطلاع المكونات المختلفة بأدوار محددة، إلا أننا نشهد الجمعيات الوطنية تتولى أكثر فأكثر دور القيادة في بلدانها في جميع المجالات المعنية بمهام الصليب الأحمر والهلال الأحمر. وهي تقوم بذلك بكامل معرفة وقبول الحكومات الوطنية ومجموعات المعارضة، وتقيم الشراكات داخل الحركة وخارجها من أجل تلبية حاجات المستضعفين، الأمر الذي يؤدي إلى طمس المهام التقليدية المنوطة بالمنظمتين الدوليتين.

وربما قد يصبح بذلك من المهم بالنسبة إلى اللجنة الدولية والاتحاد الدولي إصدار تكليف مشترك بإجراء دراسة مستقلة تسعى إلى تحديد أفضل السبل لوضع تنظيم للمستقبل قادر على دعم الإطار الجديد. ومهما كانت البنية التي سنعتمدها مستقبلاً، يجب أن تظهر الحركة كمنظمة أكثر تماسكاً.

السيد الرئيس، حضرات السيدات والسادة، انتقل الآن إلى الجزء الثالث والأخير من هذا التقرير واتناول فيه الاتجاهات العالمية والتصورات الممكنة للمستقبل.  

إن العالم يتغير من جوانب عديدة. وتتغير طبيعة النزاعات والأزمات والكوارث. بينما نجد أن القدرات المتاحة لمواجهتها قد تنامت على الصعيدين الوطني والدولي.

ويتزايد تصميم الحكومات وتأكيدها على السيادة ولكن الثقة في الحكم والسلطة قد انخفضت إلى حد كبير. وتضعف مراكز القوة على كل المستويات بينما تزداد الثقة التي يتمتع بها الأفراد والمجتمعات المحلية.

ومع أن بعض المناطق الأكثر تقدماً شهدت نمواً اقتصادياً، إلا أن عدم المساواة ازدادت أيضاً. وأدت الأزمات المالية وتباطؤ النشاط الاقتصادي في العالم المتقدم إلى ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن تدفق الموارد المخصصة للأنشطة الإنسانية والإنمائية، بينما تتواصل زيادة حدة التنافس.

ونظراً إلى الاتجاهات العالمية، كيف نرى مستقبل الصليب الأحمر والهلال الأحمر ؟

التغيرات كبيرة ولن نتمكّن من التكيّف مع الأوضاع الجديدة بإدخال تعديلات تدريجية. فقد نحتاج لإجراء استعراض شامل لمدى ما نحتاجه من تغييرات، وبأي سرعة.

ولن يكفي النهج التقليدي لجمع الأموال في مساعدتنا على الحفاظ على موقعنا كجهة إنسانية فاعلة مهمة في العالم. إننا بحاجة إلى كثير من المال ونستحق الحصول على مبالغ كبيرة. أما الموارد فهي موجودة ويمكن الحصول عليها – شريطة إعادة هيكلة مؤسساتنا.

إن الموارد الصادرة عن الحكومات والمؤسسات هي متاحة شريطة أن نكون الخيار المفضل لشركائنا. ويمكن أن تعتبرنا منظمات الأمم المتحدة شركاء مفضلين خاصة إذا تعززت علاقاتنا كجهات مساعدة وأصبحت قدرات الجمعيات الوطنية على تسليم المساعدات تتمتع بمصداقية أكبر.

وينبغي استكشاف موارد المسؤولية الاجتماعية للشركات والحصول عليها من خلال شراكات متابدلة المنفعة. ويمكن تشجيع التحويلات القائمة على الاحتياجات والموارد المجمّعة من مجموعات الشتات وغيرها، وتطويرها باستخدام التكنولوجيا بصورة أكثر فعالية، وسوف يتنامى ذلك في المستقبل. ويمكن أن نسعى إلى كسب مودّة الجمهور مع التركيز على جيل الشباب من خلال مشاركة مفتوحة وشفافة في شبكات التواصل الاجتماعي.

وتكمن أهم عوامل النجاح للحصول على مثل هذا التمويل في صفات القيادة، والعلاقات القوية في الاضطلاع بدور الجهة المساعدة، و التوازن الدقيق بين سيادة الجمعية الوطنية واحترام المبادئ والقيم والقواعد.

 

 

السيد الرئيس، حضرات السيدات والسادة،

دعوني في الختام أقدم لكم ثلاث أولويات للتغيير في اتحادنا الدولي.

إننا نحقق بنجاح الابتكارات والتكيّف والتطور إزاء المشهد الإنساني والإنمائي المتغيّر، ولكننا نفعل ذلك إلى حد كبير بطريقة فردية وعلى أساس مقتضيات حالات خاصة. فمن الضروري أن نستثمر المزيد في تعزيز التنسيق والتعاون المشتركين وألا تفرقّنا المنافسة.

يتعين علينا إصلاح أنظمة الإدارة والحكم لتأمين قيادة مهنية، وتعزيز المساءلة والامتثال.

ويتعين علينا إعادة تعريف القيمة المضافة التي توفرها الأمانة ووضع نموذج لأعمال الأمانة يزودها بالموارد اللازمة لكي تضطلع بالمسؤوليات الموكلة إليها بالجودة المطلوبة والخضوع للمساءلة.

وما هو مهم حقاً في هذا العالم المتغيّر هو قدرة الاتحاد الدولي على توفير أفضل الخدمات وتقديم الدعم إلى الذين هم بحاجة إلينا. ففي الكثير من البلدان وفي العديد من الحالات، نكون وحدنا قادرين على الوصول إليهم.

لقد ساعدتنا قيادتكم ودعمكم على مدى الخمس سنوات ونصف السنة في تقديم خدماتنا وفي طريقة تقديمها بصفة الأمانة وبصفة الاتحاد الدولي. ونظراً إلى تزايد أعداد الكوارث والأزمات والنزاعات وخطورتها، ونظراً إلى تغيّر طبيعة العمل الإنساني والعمل الإنمائي على الصعيد العالمي، يرتدي عملنا الإنساني المستند إلى المبادئ أهمية أكبر من أي وقت مضى.

وشكراً.  

خريطة