متحدون في كنف الإنسانية.
مهما كان المكان.
ومهما كان الزمان.
عندما تضرب الأزمات والكوارث...
فهي لا تفرّق بين من يقدّمون المساعدة ومن يحتاجون إليها.
غالبًا ما يكون الشخص الذي يخدم مجتمعه هو نفسه الشخص المتضرر.
في مختلف أنحاء العالم، يتواجد متطوعو وموظفو الصليب الأحمر والهلال الأحمر كل يوم إلى جانب الأشخاص الذين يواجهون الأزمات، يستجيبون داخل مجتمعاتهم، يساعدون جيرانهم، يساندون الأسر، ويقفون في الخطوط الأمامية لحالات طوارئ تمسّهم هم أيضًا.
إنهم ليسوا منفصلين عن المجتمعات التي يخدمونها، بل هم جزء منها.
وفي اليوم العالمي للصليب الأحمر والهلال الأحمر (8 مايو/أيار)، نكرّم التزامهم ونحتفي بإنسانيتهم. لأنه خلف كل حالة طوارئ، وكل استجابة، وكل شارة، هناك حقيقة واحدة: نحن متحدون في كنف الإنسانية.
هناك... عند فقدان كل شيء
في السودان، تعبر الأسر الحدود وهي لا تحمل معها سوى ما تستطيع حمله. تُترك المنازل على عجل، وتختفي سبل العيش بين ليلة وضحاها. تصبح الأماكن المألوفة غير آمنة، ويصبح المستقبل غير واضح.
وعبر الحدود في شرق تشاد، تجلس نوال عتيب محمد في مخيم فرشانا للاجئين بين نساء أخريات تحت مأوى مصنوع من القش الجاف. كانت قد فرت من الجنينة في غرب دارفور عندما اندلع النزاع عام 2023.
قبل تصاعد أعمال العنف، كانت حياتها مختلفة تمامًا. فقد كانت تعمل في وزارة المالية، وكانت قد بدأت للتو دراسة الماجستير.
تقول: "الآن، فقدت كل شيء: منزلي، وعملي، وحياتي."
وكانت رحلتها نحو الأمان مليئة بالعنف والمخاطر.
وتضيف: "رأينا جثثًا في الشوارع، وأسرًا قُتلت داخل منازلها."
لكن حتى بعد عبور الحدود، لم تنتهِ المعاناة. فما زالت كثير من الأسر تكافح يوميًا لتلبية احتياجاتها الأساسية وسط انعدام الأمان وحالة مستمرة من عدم اليقين.
ومع ذلك، فهم ليسوا وحدهم. فمتطوعو الصليب الأحمر التشادي، وكثير منهم من المجتمعات القريبة، موجودون إلى جانبهم. يساعدون في توفير المياه النظيفة والخدمات الأساسية والدعم الذي يمكّن الأسر من تلبية احتياجاتها الأكثر إلحاحًا. إنهم يساعدونهم على مواصلة العيش بكرامة، ويؤكدون لهم أنه حتى في النزوح، لم يُنسوا.
أريانا غارسيا دياز
أريانا غارسيا دياز
هناك... في أعقاب الكارثة
قبل أن تضرب العاصفة كوبا، كانت أريانا غارسيا دياز تواجه أصلًا معاناة يومية.
تتذكر قائلة: "كان وضع المياه حرجًا للغاية. لم تكن لدينا مياه جارية في المجتمع منذ ما يقارب خمسة أشهر."
وكانت تسير يوميًا مسافات طويلة فقط لتجلب ما يكفي من المياه للبقاء على قيد الحياة.
ثم جاء إعصار ميليسا.
وفي أعقابه، كان الدمار فوريًا: تضررت المنازل، وتعطلت الخدمات الأساسية، وأصبحت الظروف الصعبة أصلًا أكثر قسوة. لكن الأزمة لم تنتهِ مع توقف الرياح. فقد أصبحت المياه في الوقت نفسه خطرًا وندرة؛ إذ زادت الفيضانات من مخاطر الأمراض، بينما أصبح الوصول إلى المياه النظيفة عبئًا يوميًا أكبر، لا سيما على النساء.
وفي الساعات الأولى بعد الإعصار، كان متطوعو الصليب الأحمر الكوبي من أوائل المستجيبين. فقد أوصلوا المياه النظيفة، وعملوا على إعادة تأهيل أنظمة الإمداد، وساندوا الأسر الأكثر تضررًا في بدء رحلة التعافي.
واليوم، منح هذا الدعم راحة بسيطة لكنها أساسية.
"خزان المياه هذا الذي قمتم بتركيبه لنا ليس لهذا المجتمع وحده، بل لجميع الأحياء المجاورة أيضاً. فهم جميعاً يأتون إليه لتعبئة المياه."
في مثل هذه اللحظات، لا يقتصر التعافي على إعادة بناء ما فُقد، بل يشمل أيضًا تخفيف الأعباء اليومية والوقوف إلى جانب المجتمعات، لنمضي قدمًا سويًا، متحدين في كنف الإنسانية.
هناك... وسط النزاع
مع تصاعد الأعمال العدائية في الشرق الأوسط، واجه المدنيون خسائر متزايدة وحالة متفاقمة من عدم اليقين.
عملت فرق الهلال الأحمر الإيراني في المناطق المتضررة، تبحث بين الأنقاض، وتنقذ الناجين من المباني المنهارة، وتقدّم الرعاية الطبية العاجلة.
وكانت المخاطر حقيقية. فقد تضررت سيارات الإسعاف ومراكز الطوارئ، وقُتل متطوعون أثناء أداء واجبهم. وكثير من المستجيبين لم يكونوا مجرد شهود على المأساة، بل كانوا يعيشونها بأنفسهم.
وفي الوقت نفسه في إسرائيل، استجابت فرق ماجن دافيد أدوم للهجمات الصاروخية، فعالجت المصابين، ونقلت المرضى إلى المستشفيات، وساعدت في نقل الأشخاص الأكثر عرضة للخطر إلى أماكن أكثر أمانًا.
ويستذكر أحد المتطوعين قائلاً: "كنا نبحث عن كيفية المساعدة، نعثر على من يحتاج إليها وننقله إلى المستشفى."
وفي كلا السياقين، واجه المستجيبون الحقيقة ذاتها: عملوا بينما كانت حياتهم مهددة بالخطر، واتخذوا قرارات تنقذ الأرواح خلال ثوانٍ، وساندوا مجتمعاتهم في لحظات الخوف والفقدان.
هناك... يومًا بعد يوم
أدى النزاع المستمر بين روسيا وأوكرانيا إلى اضطراب حياة الملايين، وزاد من حالة عدم اليقين في المنطقة.
في أوكرانيا، واجه الملايين واحدًا من أقسى فصول الشتاء في الذاكرة الحديثة. ومع تضرر أنظمة الطاقة، تُركت المنازل من دون تدفئة أو كهرباء موثوقة.
وخلال انقطاع الكهرباء، أصبحت حتى أبسط الأمور شديدة الصعوبة، فبات الطهي والتدفئة وحتى طلب المساعدة كفاحًا يوميًا للناس.
يقول كلٌّ من تانيا وياروسلاف: "درجة الحرارة داخل شقتنا لا تتجاوز ثماني درجات. وعندما تتوفر المياه، تكون شديدة البرودة."
وفي أنحاء البلاد، افتتح متطوعو الصليب الأحمر الأوكراني نقاط تدفئة للناس، حيث يجتمعون لتناول الطعام، وشحن هواتفهم، والحصول على قسط من الراحة بعيدًا عن البرد.
وبالنسبة لكثيرين، أصبحت هذه المساحات مكانًا يتيح لهم التقاط الأنفاس، والتواصل، واستعادة شيء من الإحساس بالحياة الطبيعية.
تقول تاتيانا: "شكرًا لأنكم لم تنسوا أشخاصًا مثلنا، ممن مرّوا بالجحيم ونجوا."
تانيا وياروسلاف
تانيا وياروسلاف
تاتيانا وحفيدها ماتوي
تاتيانا وحفيدها ماتوي
هناك... في مواجهة الأزمات المتتالية
في الفلبين، لم تواجه المجتمعات كارثة واحدة، بل سلسلة من الكوارث. ففي غضون أسابيع، واجهت زلزالًا، تلاه عدد من الأعاصير المدمرة.
وبالنسبة للمتطوعين، كانت الأزمة شخصية للغاية.
دُمّرت المنازل، وتفرقت الأسر، ومع ذلك واصلوا الاستجابة، ينقذون الآخرين، ويقدّمون الرعاية والدعم لمجتمعاتهم.
كان كريستيان روزال قد بدأ التطوع منذ شهر واحد فقط عندما أودى إعصار كالمايغي بحياة والدته وجرف منزله.
يقول: "بعد كالمايغي، لم يعد لديّ شيء... أشعر بالرضا لأنني أساعد الآخرين، لكنني أتألم."
ورغم خسارته، واصل الخدمة، فقاد سيارة إسعاف، ودعم الفرق الطبية، وواصل الحضور كل يوم.
وفي أنحاء البلاد، استجاب آلاف المتطوعين مثله للأزمات المتداخلة، وساعدوا جيرانهم وأصدقاءهم وأفراد أسرهم على إيجاد الأمان والدعم.
إنهم ليسوا منفصلين عن الأزمة.
إنهم يعيشونها.
ومع ذلك، يواصلون خدمة مجتمعاتهم.
إنسانيتنا المشتركة
في عالم يزداد تعقيدًا واستقطابًا، حيث تتصاعد الانقسامات ونزع الإنسانية، تبقى الإنسانية أرضيتنا المشتركة.
فهي ما يربط الناس عبر الحدود، وعبر الأزمات، وعبر الاختلافات.
وهي ما يحوّل التعاطف إلى فعل، إلى مساعدة، وشفاء، ووقوف إلى جانب من هم في أمسّ الحاجة.
واليوم، نستذكر أيضًا ونكرّم أولئك الذين فقدوا حياتهم في خدمة الآخرين. فالتزامهم يشكّل تذكيرًا قويًا بضرورة صون العمل الإنساني وحماية العاملين في المجال الإنساني الذين يخاطرون بكل شيء لمساعدة غيرهم.
مهما كان المكان ومهما كان الزمان
على مدى أكثر من 160 عامًا، وقفت الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر إلى جانب المجتمعات في أوقات الأزمات، مسترشدة بمبادئ الحياد والاستقلالية وعدم التحيز، لضمان وصول المساعدات إلى الأشخاص الأكثر احتياجًا، أينما كانوا.
ولا يزال هذا الالتزام مستمرًا حتى اليوم.
في السودان، وكوبا، وإيران، وإسرائيل، وأوكرانيا، والفلبين، وفي أماكن أبعد من ذلك بكثير، يواصل المتطوعون والموظفون خدمة مجتمعاتهم.
إنهم يقدّمون الدعم بتعاطف، ويساعدون الناس على مواصلة العيش بكرامة، ويمنحون الأمل، ويعملون لضمان ألّا تُفقد الإنسانية حتى في أحلك اللحظات.
لأنه في نهاية المطاف، وخلف كل أزمة وكل استجابة، نظل دائمًا متحدين في كنف الإنسانية.

