من إنقاذ المتنزّهين في جبال إيران إلى الاستجابة للفيضانات في اليمن، ومن نوادي الصحة المدرسية في لبنان إلى مخيمات اللاجئين في الأردن، يستجيب المتطوّعون للأزمات ولحظات الحاجة داخل المجتمعات التي يعيشون فيها.
إنهم جيران وطلاب وآباء وأمهات وأصدقاء؛ أشخاص يتحرّكون بدافع الإنسانية حين يحتاجهم الآخرون بشدّة.
في اليوم العالمي للمتطوعين، نحتفي بقصصهم تحت شعار «عمل محلّي، في كل مكان»؛ قصص شجاعة ولطف وأمل تذكّرنا بأن الإنسانية لا تعترف بالحدود.
إيران: لغة الإنسانية
في أعالي جبال إيران، وجدت المسعفة «مرضيّة ساكي» نفسها في موقف خطِر كانت فيه حياة مجموعة من الأشخاص مهدّدة.
خلال شتاء قاسٍ، كانت تُحذّر المتنزّهين من خطر الانهيارات الثلجية، عندما رأت مجموعة من الشبان لا يستجيبون لنداءاتها.
تقول مرضيّة: "حذّرتهم لكنهم لم يردّوا. ثم لاحظت أنهم يستخدمون لغة الإشارة. حينها أدركت أنهم صُمّ، وأنهم على الأرجح لم يسمعوا تحذيراتي".
أسرعت مرضيّة نحوهم مستخدمة الإشارات وتعبيرات الوجه لشرح الخطر. فهموا التحذير وعادوا أدراجهم، قبل ساعات فقط من وقوع انهيارات ثلجية في المنطقة نفسها.
وتضيف: "طوال الليل فكّرت في الأمر. لو لم أتمكّن من إيصال الرسالة لهم، ربما لم يكونوا لينجوا. منذ ذلك اليوم بدأتُ تعلّم لغة الإشارة وأسّست «مجموعة المتطوّعين الصمّ» لتدريب المُنقذين على التواصل مع الأشخاص الصمّ في الطوارئ."
لقد أنقذ تفكيرها السريع أرواحًا، وأطلق مبادرة جديدة من أجل تعزيز الشمول في الهلال الأحمر الإيراني.
متطوّع من الهلال الأحمر الإيراني يتحدث مع متنزهين خلال جولة لرصد المخاطر في منطقة تكثر فيها الانهيارات الثلجية.
صورة: جمعية الهلال الأحمر الإيراني
الأردن: من رحلة النزوح إلى دور قيادي في مجتمع جديد
فرّ التوأمان «محمود الحسن» و «عزّ الدين الحسن» من درعا في سوريا إلى الأردن عام 2012، حاملَين حلمًا بصنع فرق رغم تحديات النزوح.
في عام 2017، بدأ الاثنان التطوّع مع الهلال الأحمر الأردني، فساعدا في توزيع المساعدات، وتنظيم الحملات الصحية، وموائد الإفطار في رمضان، إضافة إلى دعم الأطفال ضمن برنامج كفالات الأيتام.
من خلال هذه التجارب، وجدا إحساسًا بالانتماء ودافعًا للاستمرار.
لاحقًا أطلقا مبادرتهما الخاصة «ازرع بسمة» لإضفاء الأمل والإبداع على حياة الأطفال الذين يواجهون ظروفًا صعبة.
ويقولان: "عندما يجد الإنسان من يؤمن به ويدعمه، يمكنه أن يبدأ من الصفر ويترك أثرًا لا يُنسى."
من لاجئين إلى قادة في مجتمعهما الجديد، تُظهر رحلتهما كيف يمكن للتطوع أن يحوّل الألم إلى دافع.
محمود وعزّ الدين الحسن، متطوّعان في الهلال الأحمر الأردني، ويظهر أحدهما مشاركًا في لعبة شدّ الحبل مع الأطفال.
صورة: الهلال الأحمر الأردني
لبنان: مسار إنساني يكتمل من جديد
في مدينة زحلة اللبنانية، كان طفل صغير يقضي عطلات نهاية الأسبوع في الحديقة العامة، يشارك في الأنشطة التي ينظّمها مركز شباب الصليب الأحمر اللبناني، فرع زحلة.
بعد سنوات، عاد ذلك الطفل نفسه، «جاد عبد الأحد»، إلى الحديقة ذاتها، لكن هذه المرة كمتطوّع. فالأنشطة التي شارك فيها في طفولته تركت أثرًا أعمق مما تخيّل.
تدرّج جاد من متطوّع إلى رئيس مركز الشباب، يقود الأنشطة نفسها التي ألهمته يومًا، ويسعى في الوقت ذاته إلى تأمين التمويل للحفاظ على الحديقة كمساحة آمنة لأهالي المنطقة.
يقول: "تلك اللحظات ساهمت في بناء شخصيتي. تعلّمت منها روح المشاركة، والتعاطف، وخدمة المجتمع. عندما كبرت، كان الانضمام إلى الصليب الأحمر خيارًا طبيعيًا. واليوم، كشخص يقود مركز الشباب، أشعر بسعادة كبيرة وأنا أنظّم أنشطة للأطفال في الحديقة نفسها التي لعبتُ فيها سابقًا. لقد رأيت كيف يمكن للحظات بسيطة كهذه أن تُلهم أجيالًا كاملة."
إنها قصة يلتقي فيها الماضي بالحاضر، في مسار إنساني يكتمل من جديد.
متطوّعو شباب الصليب الأحمر اللبناني يُشركون الأطفال في أنشطة ألهمت أجيالًا عديدة من أبناء المجتمع.
صورة: الصليب الأحمر اللبناني
ليبيا: استعادة الكرامة في البحر
في زوارة بليبيا، عاش المتطوّعون إحدى اللحظات التي لا تُنسى خلال عملية إنقاذ ليلية لأشخاص نجوا من عبور بحري خطِر. وصل كثيرون منهم منهكين، يعانون من الجفاف، وخائفين بعد رحلتهم القاسية.
من بينهم كانت أم شابّة تضم طفلها بشدّة، خائفة من السماح لأي أحد بالاقتراب منه. عندها تقدّمت المتطوّعة «هداية أحمد ساكي»، وقدّمت للأم الماء وكلمات مطمئنة، إلى أن بدأت المرأة تثق بها وتسمح بفحص طفلها.
وحين رأت طفلها يتلقى الرعاية، بدأت تشعر بالهدوء وسعت إلى طمأنة نساء أخريات من حولها.
يقول زملاؤها إن لحظات كهذه تُعبّر عن قوة هداية: قدرتها على مساعدة الأشخاص في أسوأ لحظاتهم، من خلال التعاطف والتحلّي بالصبر وحضورها الهادئ الذي يبعث الطمأنينة.
تقول هداية: "ذكّرني ذلك الموقف بأن العمل الإنساني ليس فقط رعاية طبية، بل استعادة الثقة والكرامة. حتى أبسط الأفعال، مثل تقديم الماء أو الاستماع، قد تُحدث فرقًا في حياة شخص ما."
قصتها تذكّرنا بأن التعاطف والرحمة قد يكونان منقذين بقدر أي مهارة طبية.
متطوّعة الهلال الأحمر الليبي هداية أحمد ساكي ترتدي سترة التطوّع بفخر.
صورة: الهلال الأحمر الليبي
فلسطين: الشمول يغيّر حياة
في الضفة الغربية، كان «محمد داوود» يعيش عزلة وصمتًا بعد مشاهد مؤلمة شهدها خلال مداهمة بلدته. محمد مستخدم لكرسي متحرك، وقد واجه تحديات نفسية وجسدية دفعته إلى الابتعاد عن الناس.
عندما علم متطوّعو الهلال الأحمر الفلسطيني بوضعه، بدأوا بزيارته وتقديم الدعم النفسي وتشجيعه تدريجيًا، إلى أن استعاد ثقته بنفسه. ومع تحسّن حالته، طلب محمد الانضمام إلى فريق المتطوّعين.
وبعد نحو ثلاث سنوات، أصبح مُسعفًا أوليًا ومشاركًا فاعلًا في الأنشطة الشبابية، لا يتوقف عن التعلّم والكتابة والقراءة والتقدّم.
ويقول محمد: "فتح لي الهلال الأحمر أبوابًا لم أتخيّل يومًا أنني سأدخلها. إعاقتي لم تكن يومًا عائقًا أمام التعلّم والنمو. بفضل الفرص التي منحوني إياها، أصبحتُ مُسعفًا وأشارك في كل نشاط. إذا تمكنتُ أنا من تحقيق ذلك، فبإمكان الآخرين أيضًا».
اليوم يستخدم تجربته لإلهام غيره، مؤكدًا أن العزيمة قادرة على كسر أي حاجز، وأن كل فعل خير يبني عالمًا أكثر شمولًا.
محمد داوود، متطوّع في الهلال الأحمر الفلسطيني، يقدّم مثالًا على كيف يمكن للشمول والعمل التطوعي أن يعزّزا الثقة ويمنحا دافعًا للتقدّم.
صورة: جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني
السعودية: الفرح وسط الألم
بدأت رحلة «زينب مصطفى العبد الله» مع هيئة الهلال الأحمر السعودي بزيارة لإدخال البهجة إلى قلوب الأطفال المصابين بالسرطان في الأحساء.
وتقول: "كانت من أجمل المبادرات التي شاركت فيها. الفرح والأمل في عيون الأطفال جعلاني أدرك أن الحياة ما زالت تحمل الكثير من الخير."
أثناء توزيع الهدايا، تعرّفت إلى طفلة تُدعى «ترف» قالت لها بابتسامة: "أحبك. وأنا ممتنة لأني ما زلت على قيد الحياة حتى أستطيع اللعب معك وتلقي الهدايا كل يوم».
تضيف زينب: "كلماتها علمتني أن الحياة جميلة رغم صعوباتها، وأن الصحة والامتنان والأمل أمور علينا ألا نغفلها."
قصة زينب تذكّر بأن اللطف يُداوي المعطي والمتلقّي على حدّ سواء.
متطوّعة من الهلال الأحمر السعودي تقدّم وجبة خفيفة لطفل خلال موسم الحج.
صورة: هيئة الهلال الأحمر السعودي
اليمن: قوة القلب
في حضرموت، انضم «عبد الله أبوبكر حبشي السقّاف» إلى الهلال الأحمر اليمني خلال استجابة للفيضانات. كان من بين الأشخاص الذين ساعدهم رجل مسنّ يعاني من صعوبة في المشي، لكنه كان يعمل بلا كلل لإعالة أسرته.
يقول عبد الله: "ذلك المشهد جعلني أُدرك المعنى الحقيقي للتطوّع. إنه ليس مهمة نؤديها، بل شعور بالمسؤولية ورغبة في إدخال السعادة إلى قلوب الآخرين."
ويضيف: "كل مرة أشارك في عمل إنساني أتعلم أن القوة الحقيقية لا تأتي من الجسد، بل من القلب الذي لا يتعب من العطاء."
إنها كلمات تعكس روح آلاف المتطوّعين الذين يواصلون العطاء مهما كانت التحديات.
متطوّعون من الهلال الأحمر اليمني يدعمون أفراد المجتمع خلال نشاط ميداني يتضمّن تعبئة نماذج.
صورة: الهلال الأحمر اليمني
إنسانية واحدة. عمل محلّي، في كل مكان.
تكشف هذه القصص من أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المعنى الحقيقي لشعار «عمل محلّي، في كل مكان».
فالمتطوّعون لا ينتظرون التغيير. هم يصنعونه.
يذكّروننا بأن الإنسانية تبدأ من المجتمع المحلّي وتمتد إلى أبعد منه.
المتطوّعون هم نبض الإنسانية، يعملون محليًا بروح تمتد إلى العالم أجمع.
اقرؤوا المزيد عن حملتنا «عمل محلّي، في كل مكان»
قصص أخرى من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا: