ما بين ماض عتيق وحاضر (بحلة التجديد)

تعمل فرق الاتحاد الدولي وجمعية الهلال الأحمر الأفغاني جنباً إلى جنب لتفريغ مساعدات منقذة للحياة للمجتمعات المتضررة من الفيضانات المفاجئة المدمّرة في أنحاء أفغانستان خلال مارس/آذار 2026.

تعمل فرق الاتحاد الدولي وجمعية الهلال الأحمر الأفغاني جنباً إلى جنب لتفريغ مساعدات منقذة للحياة للمجتمعات المتضررة من الفيضانات المفاجئة المدمّرة في أنحاء أفغانستان خلال مارس/آذار 2026.

صورة: مير عبد الله راسخ / الاتحاد الدولي

كتابة جاغان تشاباغين، الأمين العام والرئيس التنفيذي للاتحاد الدولي

في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وتحديدا في 5 مايو 1919، اجتمعت في فرنسا مجموعة صغيرة من الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر حول فكرة جريئة، مؤمنة بأن مشاعر التعاطف وروح التضامن ونُبل الخدمة التطوعية التي ازدهرت في زمن الحرب لا ينبغي لها أن تخبو في زمن السلم، بل أن تُنظَّم ويُوسَّع مداها لتبلغ كل موضع يئن من المعاناة. وكانت تلك لحظة ميلاد ما عُرف لاحقا باسم الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر. 

وبعد مرور أكثر من قرن، لا نحتفي بتلك اللحظة بوصفها ذكرى تأسيس شبكتنا فحسب، بل بوصفها تذكيرا بالغاية التي وُجدت من أجلها هذه الشبكة. 

ولا شك في أن العالم الذي نعمل فيه اليوم ليس ذاك الذي تخيّله المؤسسون في عام 1919، ولا حتى العالم الذي عرفناه قبل عقد واحد. فالاحتياجات الإنسانية في تصاعد مستمر، في حين يشهد التضامن والتمويل انحسارا ملحوظا. وأما الافتراضات الراسخة بشأن كيفية عمل المعونة الدولية، فتتعرض لاختبارات قاسية، بل تُقلب رأسا على عقب في حالات كثيرة. ومن الواضح أن الأوضاع لن تعود إلى ما كانت عليه. 

وهذا الواقع هو ما يدفع عملية تجديد الاتحاد الدولي الرامية إلى تعديل توجهنا الاستراتيجي لمضاعفة تركيزنا على ما نجيده. ويتمحور هذا التجديد حول تعزيز القيادة المحلية لعملنا، وزيادة تركيزنا وخضوعنا للمساءلة، وتحسين استعدادنا لخدمة المجتمعات المحلية في بيئات باتت في الغالب أشد قسوة مما كانت عليه في أي وقت مضى. 

ومع ذلك، فإن التجديد لن يُكتب له النجاح إلا إذا ارتكز ارتكازا راسخا إلى مبادئنا الأساسية

ففي عالم يتزايد فيه تسييس العمل الإنساني، تُعامَل المبادئ أحيانا على أنها متقادمة أو غير وجيهة. ويرى البعض أن النجاح العملي هو ما يجب الاعتداد به، بغض النظر عن الدوافع أو الفلسفة التي استندت إليها القرارات. وأنا أخالف هذا الرأي. فالثبات على المبادئ الأساسية، مهما تبدّلت السياقات، هو ما يمنح منظمات مثل منظمتنا ضوابط توجّه قراراتها. وعلى الرغم من أننا نعمل اليوم في عالم تغيّر كثيرا عما كان عليه قبل عقود، فإن هويتنا المؤسسية ما زالت مميزة وعملنا ما زال واسعا ومؤثرا، لأن مبادئنا بقيت ثابتة لا تتزعزع. 

فانظروا إلى الحياد مثلا: فهو ما يتيح لشبكتنا الوصول إلى أشخاص لا يستطيع غيرنا الوصول إليهم، وهو ما يمكننا من البقاء حين يضيق مجال الوصول وتشتد الضغوط، وهو ما يبقي تركيزنا في موضعه الصحيح - أي على تبعات الأزمات، لا على إلقاء اللوم. 

وعدم التحيز والاستقلال لا يقلان أهمية عن الحياد. فهما ما يجعل المجتمعات المحلية ترى الصليب الأحمر والهلال الأحمر جزءا منها، لا امتدادا لأي حكومة أو جهة مانحة أو خطة. ومن دون تلك الثقة تتقلص إمكانية الوصول، ومن دون الوصول تصبح الاستجابة مستحيلة. 

صورة لأول مجلس إدارة رابطة جمعيات الصليب الأحمر. التُقطت الصورة في باريس بعد الاجتماع الذي عُقد في 5 مايو/أيار 1919، والذي أُعلنت خلاله رسمياً ولادة الرابطة.

صورة لأول مجلس إدارة رابطة جمعيات الصليب الأحمر. التُقطت الصورة في باريس بعد الاجتماع الذي عُقد في 5 مايو/أيار 1919، والذي أُعلنت خلاله رسمياً ولادة الرابطة.

صورة: مكتبة الكونغرس

ومن هذا المنطلق، فإن التجديد ليس انحرافا عن هويتنا، وإنما هو استمرار للرؤية المؤسسة المرسومة في 5 مايو 1919، وتجسيد للإيمان بأن الشبكة الإنسانية تستمد قوتها من ارتكازها إلى العمل المحلي، والتضامن العالمي، والمبادئ المشتركة. ويكمن التجديد في تعزيز توطين العمل الإنساني، وتركيز جهودنا حيث يكون أثرنا أعظم، وتحسين مرونتنا، وزيادة خضوعنا للمساءلة، وتعزيز الشفافية في طريقة استخدام الموارد المعهود بها إلينا، وتسخير تكنولوجيات لم يكن من الممكن تخيّلها في الماضي للنهوض بالقيم التي رأى مؤسسو الشبكة أنها جوهر رسالتها. 

ويكمن التجديد أيضا في مواصلة الانتقال من مفهوم اعتماد المجتمعات المحلية إلى مفهوم الإمساك بزمام الأمور محليا، عن طريق دعم الجمعيات الوطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر في الاضطلاع بدور القيادة لا التبعية، وضمان أن يسهم الدعم الدولي في تعزيز القدرات المحلية دون أن يحل محلها. ومن ثم، فإن التجديد يعني العمل بطريقة مختلفة، دون المساس بالنزاهة التي كانت على الدوام محور عمل شبكتنا. 

والخيارات المقبلة لن تكون سهلة. فأيُّ البلدان سيحصل على الدعم وأيُّها لن يحصل عليه؟ ومن سيُمنح الأولوية ومن لن يُمنحها؟ وكيف سنطبِّق مبدأ عدم التحيز في وقت يُشترط فيه أكثر فأكثر تخصيص التمويل لأنشطة محددة؟ وفي معالجة هذه المسائل، يجب أن نكون على وعي تام بما يجب ألا يتغيّر. 

ويجب أن تتلازم الكفاءة والمبادئ وأن تتلازم السرعة والثقة. إذ إن النظام الإنساني الذي يواكب العصر، ولكن يفقد مصداقيته لدى المجتمعات المحلية، لا يزداد قوة، بل يشتد ضعفا. 

وبعد مرور أكثر من قرن على إنشاء شبكتنا، ستُقاس وجاهتنا بمدى استمرار ثقة الناس في حضور الصليب الأحمر والهلال الأحمر في مجتمعاتهم. والتجديد هو سبيلنا إلى حماية تلك الثقة في المستقبل عن طريق تعزيز طابعنا المحلي، وتركيزنا، وخضوعنا للمساءلة، دون الحياد عن القيم التي حافظت على شبكتنا عبر الأجيال.

أخبار ذات صلة

الاتحاد الدولي يدين بشدة مقتل المسعف في الصليب الأحمر اللبناني حسن بدوي، أثناء قيامه بمهمة إسعاف

الاتحاد الدولي يدين بشدة مقتل المسعف في الصليب الأحمر اللبناني حسن بدوي، أثناء قيامه بمهمة إسعاف

| مقال

مقتل متطوع آخر في الهلال الأحمر الإيراني أثناء مساعدته الآخرين، وهو الرابع خلال خمسة أسابيع فقط: الاتحاد الدولي ينعى أبو الفضل دهنوي البالغ من العمر 20 عاماً

مقتل متطوع آخر في الهلال الأحمر الإيراني أثناء مساعدته الآخرين، وهو الرابع خلال خمسة أسابيع فقط: الاتحاد الدولي ينعى أبو الفضل دهنوي البالغ من العمر 20 عاماً

| مقال

الاتحاد الدولي يشعر بالحزن جراء مقتل أحد موظفي الهلال الأحمر الإيراني

الاتحاد الدولي يشعر بالحزن جراء مقتل أحد موظفي الهلال الأحمر الإيراني

| مقال

بيان الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في مؤتمر التعهدات رفيع المستوى للسودان والمنطقة

بيان الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في مؤتمر التعهدات رفيع المستوى للسودان والمنطقة

| مقال
اطلع على مزيد من الأخبار