كان "سيدول" في الخامسة والثلاثين من عمره عندما اضطر إلى الفرار مع زوجته "ستارا" من العنف في ولاية راخين بميانمار. لم يحملهما إلى مخيمات كوكس بازار في بنغلاديش سوى الخوف ورضيع بين ذراعيهما.
رحلة طويلة ومرهقة عبر الغابات، من دون طعام، وبقلق دائم مما ينتظرهما. وحين وصلا أخيراً إلى ما يعرف اليوم بـ«المخيم 13» في أوخيا، اعتقد سيدول أن المعاناة انتهت. لكن الحياة هناك كانت أكثر صعوبة مما تخيّل.
مآوي مكتظة، بيئة غير صحية، أمراض تنتشر بسرعة مثل الإسهال والجرب. ومع تدهور صحته وعدم وجود فرص عمل، شعر سيدول بالعجز. ومع طفلين صغيرين، عاش الزوجان بين الخوف والضياع واضمحلال الأمل.
يتذكر سيدول تلك الأيام قائلاً: «كنت أجلس أمام المأوى أحدّق في الفراغ. بلا قوة، بلا هدف. شعرت أن كل شيء ينهار من حولي».
لكن بعد ثماني سنوات من العيش في المخيم، تغيّر كل شيء. أصبح سيدول اليوم شخصية محترمة، مصدر إلهام، وقدوة لجيرانه. يقصدونه طلباً للنصيحة حول الصحة والنظافة وحتى التخطيط الأسري، وهو يجد في ذلك متعة ورسالة.
يقول مبتسماً: «أقول لهم – انظروا إليّ. كنتُ مريضاً ويائساً. لكن أحدهم آمن بي، وقررت أن أتغيّر».
سيدول أمين يزرع أنواعاً مختلفة من الخضروات في الحديقة التي أنشأها بجانب مأواه.
صورة: أبو طالب محمد سقيب / الاتحاد الدولي
بيته اليوم مثال على حياة صحية وكريمة. مأوى نظيف ومرتب، حديقة صغيرة تفيض بالخضار، وأولادهما يتبعون عادات غسل اليدين والنظافة التي حرص والداهما على تعليمها لهم.
وراء هذا التحوّل اسم واحد: ماريجان – متطوّعة من الهلال الأحمر البنغلاديشي، وجارة في المخيم نفسه. كانت تزورهم باستمرار، تنصح وتذكّر بأبسط الممارسات الصحية. ومع الوقت، التزم سيدول بتنظيف محيط مأواه، وحرص على أن تلتزم أسرته بروتين النظافة. والنتيجة؟ خلال آخر تفشٍ للجرب في المخيم، لم يُصب أحد من عائلته.
أما ستارا، فقد وجدت هدفها الخاص، فبدأت العمل كمتطوّعة مع منظمة محلية داخل المخيم. كل صباح ترتدي سترة التطوّع بفخر، وتخرج لمساعدة الآخرين. بينما يتكفّل سيدول برعاية الأطفال والتأكّد من ذهابهم إلى المدرسة.
ببطء، وجدت العائلة إيقاعها. الولدان اليوم يدرسان في مركز التعلّم، يكتسبان مهارات القراءة والكتابة، وأبسط مهارات الحياة.
المتطوّعة في المخيم، ماريجان (في الوسط)، مع سيدول أمين وستارا بيغوم. تشارك ماريجان نصائح حول الصحة والنظافة، بالإضافة إلى معلومات عن التخطيط الأسري.
صورة: أبو طالب محمد سقيب / الاتحاد الدولي
«ماذا يمكن لغريبة أن تفعل؟»
لم يأتِ هذا التغيير بين ليلة وضحاها. بل كان ثمرة رحلة طويلة من الإصرار.
حين طرقت ماريجان باب مأوى سيدول لأول مرة، تساءل: «ماذا يمكن لغريبة أن تفعل لنا؟». لكنه سرعان ما وجد أن حضورها المتكرر مليء بالدفء والطمأنينة.
علّمته أن التغييرات الصغيرة تصنع فرقاً كبيراً. علّمت ستارا أهمية غسل اليدين بالصابون، والمياه النظيفة، والعناية بالأطفال. عرّفتهما على مفهوم التخطيط الأسري – وهو أمر جديد كلياً بالنسبة لهما.
تقول ستارا بابتسامة خجولة: «لم يكن سهلاً الحديث عن أمور شخصية مع شخص من خارج العائلة. لكن ماريجان جعلتنا نشعر بالاحترام والراحة».
لأول مرة منذ أشهر طويلة، بدأ الزوجان يتحدثان عن مستقبلهما بصدق. قرّرا معاً أن يخططا لعائلتهما ويركزا على تربية ولديهما في بيئة صحية ومستقرة.
يعمل سيدول أمين يومياً على تنظيف محيط مأواه حتى تبقى عائلته في مأمن من الأمراض مثل الجرب والإسهال.
صورة: أبو طالب محمد سقيب / الاتحاد الدولي
من اليأس إلى استعادة الكرامة
لم تكن رحلة سيدول من اليأس إلى الكرامة سهلة. لكن زيارات ماريجان المتواصلة ودعمها الهادئ، ونصائحها البسيطة، غيّرت مسار حياته.
من خلال هذا النهج، يعيد الاتحاد الدولي والهلال الأحمر البنغلاديشي تعريف معنى دعم النازحين. بالتركيز على الصحة والنظافة والتخطيط الأسري وتمكين المجتمع، يساعدون العائلات على استعادة زمام السيطرة على حياتهم – خطوة بخطوة، وحواراً بعد حوار.
يقول سيدول بفخر: «لم ننجُ فحسب؛ بل تعلّمنا أن نعيش من جديد».
قصته واحدة من مئات القصص الإيجابية في مخيمات كوكس بازار. لكن في المقابل، لا يزال كثيرون يعيشون معاناة هائلة مع دخول الأزمة عامها الثامن.
ومن خلال عملية الاستجابة لحركة نزوح السكان، وبدعم من نداء طوارئ أطلقه الاتحاد الدولي، يواصل الهلال الأحمر البنغلاديشي يومياً تقديم المأوى، والرعاية الصحية، والمياه، وخدمات الصرف الصحي، وسبل العيش لأكثر من 650,000 شخص في مخيمات أوخيا، كوكس بازار.
جهود لا تقتصر على تلبية الاحتياجات الأساسية فحسب، بل تمتد أيضاً إلى ضمان الحماية والإدماج للجميع، وتعزيز الثقة والتواصل مع المجتمع.