في قرية "دوينكارة" بشرق موريتانيا، تشتد حرارة الشمس لتصل إلى ذروتها. ففي هذه القرية التابعة لولاية الحوض الشرقي، والواقعة على بُعد كيلومترات قليلة من الحدود المالية، لا تعرف الحرارة رحمة، إذ تتجاوز الـ 40 درجة مئوية. وتحت ظلال "نقطة الخدمات الإنسانية" التي أنشأها الهلال الأحمر الموريتاني، تأخذ "بنتو منت حمدي" قسطاً من الراحة برفقة بناتها التسع.
تبدو لحظة السكينة هذه لا تُقدّر بثمن بالنسبة لـ "بنتو"، التي وصلت للتو بعد رحلة شاقة وطويلة من مالي؛ رحلة مضنية قطعتها هرباً من الانفلات الأمني والنزاع المسلح.
حياة قلبتها الصراعات رأساً على عقب
تحمل قصة "بنتو" في طياتها مفارقة مريرة؛ فهي في الأصل من مدينة "ليري" بمنطقة تمبكتو في مالي، ولم تكن قرية "دوينكارة" غريبة عليها، إذ اعتادت لسنوات طويلة عبور الحدود بانتظام للعمل فيها كغاسلة ملابس. وكانت تقضي بضعة أسابيع أو أشهر لكسب المعيشة، ثم تعود إلى ديارها محملة بمدخرات تكفي لإعالة أسرتها.
لكن مع مرور السنين، تدهورت الأوضاع الأمنية في مالي، وباتت هذه الرحلات محفوفة بالمخاطر. ولم يعد بمقدورها تحمل تصاعد وتيرة العنف، وانعدام الأمن المتزايد، والجوع، والعزلة.
وتقول بنتو متحدثة عن تلك المعاناة: "لم أعد قادرة على الاستمرار على هذا النحو. أصبح السفر مغامرة محفوفة بالمخاطر، وبات تأمين الغذاء اليومي لأطفالي أمراً يزداد صعوبة يوماً بعد يوم".
وأمام انسداد الأفق والإصرار على حماية بناتها التسع — وهي المعيلة الوحيدة لهن — اتخذت بنتو القرار الصعب بمغادرة وطنها واللجوء إلى موريتانيا.
بعد رحلة استمرت عدة أيام من مالي إلى موريتانيا تحت وطأة الحر الشديد، تجتمع بنتو منت حمدي مع أفراد عائلتها في منطقة الاستراحة التابعة لنقطة الخدمات الإنسانية للهلال الأحمر الموريتاني في ولاية الحوض الشرقي، شرق موريتانيا.
صورة: مصطفى ديالو/الاتحاد الدولي
أزمة طال أمدها
على غرار بنتو، اضطر عشرات الآلاف إلى الفرار من ديارهم جراء الانفلات الأمني المستمر والنزاع الذي يضرب مناطق عدة في البلاد. وكان بعضهم قد لجأ إلى موريتانيا لأول مرة في عام 2012 مع اندلاع النزاع في شمال مالي، ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف موجات العنف المتلاحقة عن دفع العائلات إلى مسارات النزوح والهجرة.
وفي الفترة ما بين يناير/كانون الثاني 2023 وأبريل/نيسان 2024، وصل إلى موريتانيا أكثر من 95,000 لاجئ من مالي، لينضموا إلى نحو 105,000 لاجئ يقيمون بالفعل في البلاد. وبحلول يونيو/حزيران 2026، تجاوز إجمالي عدد اللاجئين حاجز الـ 300,000 شخص، وفقاً لتقديرات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
ويعيش معظم هؤلاء اللاجئين في ولاية الحوض الشرقي، حيث يقيم نحو 172,000 منهم خارج المخيمات الرسمية، وغالباً ما يعيشون في ظروف هشّة تفتقر إلى مياه الشرب النظيفة، والرعاية الصحية، والتعليم، وفرص كسب العيش. كما فرض هذا التدفق الهائل ضغوطاً شديدة على الموارد المحلية والمجتمعات المضيفة، والتي تواجه بدورها تحديات جمة.
الملاذ الأول فور الوصول
واستجابة لهذه الأزمة، بادر الهلال الأحمر الموريتاني، بدعم من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر (IFRC)، إلى إنشاء نقطتين للخدمات الإنسانية في "دوينكارة" و"عدل بكرو" لتقديم إغاثة عاجلة للاجئين الواصلين حديثاً.
وغدت نقطة الخدمات الإنسانية في "دوينكارة" محطة لا غنى عنها للعائلات التي تعبر الحدود.
وفي هذا الصدد، يوضح محمد ولد سيدنا علي، منسق العمليات للهلال الأحمر الموريتاني في الحوض الشرقي، قائلاً: "تستقبل نقطة الخدمات الإنسانية هذه اللاجئين الماليين الواصلين حديثاً والهاربين من النزاع وغياب الأمن".
وهناك، يعمل الموظفون والمتطوعون على تقديم مساعدات تلبي الاحتياجات الفورية، بما في ذلك الإسعافات الأولية الجسدية والنفسية، والاستشارات الطبية، وإحالة الحالات الحرجة إلى المرافق الصحية، وتقديم الوجبات الساخنة ومياه الشرب، وتوزيع المواد الإغاثية المنزلية الأساسية.
ومنذ افتتاح المركز في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، قدم خدماته لأكثر من 2,000 لاجئ.
صون الكرامة وإحياء الأمل
بعيداً عن المساعدات العينية الملموسة، تقدم نقطة الخدمات الإنسانية شيئاً أعمق بكثير يصعب قياسه: مساحة آمنة يستعيد فيها الإنسان كرامته وسكينته.
فبعد أيام — وأحياناً أسابيع — من السفر والمشقة، تجد العائلات مكاناً للراحة واستجماع قواها، والحصول على الإرشادات الأساسية قبل مواصلة رحلتها إلى مخيم "امبرة" للاجئين، أو الاستقرار داخل المجتمعات المضيفة، أو اللحاق بأقاربها.
بالنسبة لـ "بنتو" وبناتها، يمثل هذا المركز نهاية رحلة صعبة خطت فيها خطواتها الأولى نحو بداية فصل جديد من حياتهن.
نداء للتضامن الإنساني
يدعم الاتحاد الدولي الاستجابة الإنسانية للهلال الأحمر الموريتاني لمواجهة أزمة اللاجئين الماليين منذ مايو/أيار 2024. ولمواجهة الاحتياجات المتزايدة، أطلق الاتحاد الدولي نداء طارئ في أكتوبر/تشرين الأول 2024 بقيمة 4 ملايين فرنك سويسري لتعزيز التدخلات في مجالات الصحة، وتوفير المياه، والمساعدات النقدية، وتوزيع المواد الإغاثية الأساسية.
ويؤكد هوبير ديديغبي، رئيس عمليات الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في موريتانيا، على أهمية استمرار هذا الدعم قائلاً: "مع استمرار تدفق اللاجئين الماليين، نناشد الشركاء والمانحين مواصلة التزامهم وتعزيز دعمهم لضمان استمرار وصول المساعدات الحيوية للفئات الأكثر هشاشةً واحتياجاً".
وتحت هجير الشمس الحارقة في "دوينكارة"، تأتي قصة "بنتو" لتذكرنا بأن وراء هذه الأرقام والإحصاءات وجوهاً، وعائلات، أشخاصاً انقلبت حياتهم رأساً على عقب بسبب النزاع. كما تُبرز كيف يمكن لجرعة ماء نظيفة، أو وجبة ساخنة، أو مجرد مكان مظلل للراحة، أن تمثل الخطوة الأولى نحو إعادة بناء الحياة من جديد.